✍️ سلسلة مقالات سلوكيات وأوطان –
التفكك الأسري… ثقب في جدار المجتمع
بقلم: مصطفى كامل إسماعيل
يُقال إن الأسرة هي نواة المجتمع... ويبدو أننا أعدنا تعريف كلمة "نواة" لتصبح: "شيء صغير يُمكن كسره بسهولة"!
في الماضي، كانت الأسرة تُشبه قِطعة قماش متينة، مرقّعة أحيانًا، لكنها متماسكة.
اليوم، أصبحت مثل فانلة داخلية قديمة: مهترئة، ممزقة، وكل طرف يشدها من جهة، والكل يصر على أنه على صواب... حتى تنهار!
التفكك الأسري ليس مشهدًا دراميًا في مسلسل، بل هو فيلم وثائقي يومي، نراه في الشارع، في المدارس، في العيادات النفسية، وفي عيون الأطفال الذين لم يفهموا بعد:
لماذا اختلف الأب والأم؟
ولماذا أصبح الحب يُقاس بالنفقة، والعِشرة تُفصّل في محكمة؟
ولماذا صارت الزيجات تُبنى على شروط تعاقدية تُشبه اتفاقيات بين شركتين تجاريتين؟!
أيها القارئ الكريم، حين يتفكك البيت، لا تسقط الجدران وحدها، بل تتسرب القيم من بين الشقوق.
ينشأ الطفل وقد ظنّ أن الطلاق "رد فعل طبيعي"، وأن السبّ والشتم لغة حوار، وأن العنف شيء عادي بين "الكبار".
وما يلبث أن يُعيد إنتاج المشهد نفسه في بيته مستقبلاً... إن استطاع أن يبني بيتًا من الأساس!
وللأسف، في كثير من حالات الطلاق والانفصال، يغيب عن الأبوين الوعي التربوي،
فبعض الأمهات – مدفوعات بالغضب أو الألم – يُسهمن في تشويه صورة الأب أمام أبنائهن، ويصبحن وكيلات دفاع يتحدثن باسم "الحقيقة المطلقة".
وبعض الآباء كذلك، ينسون أنهم كانوا يومًا "قادة أسرة"، ويتحولون إلى أبواق شكوى، يلقنون أبناءهم أن الأم "هي السبب في كل شيء".
وهكذا يتحول الطفل إلى ساحة معركة، لا يفوز فيها أحد... إلا الاضطراب!
إن استخدام الأبناء كسلاح في معركة شخصية بين أبوين منفصلين ليس شجاعة... بل قِصر نظر تربوي.
فما يزرعه الأب أو الأم من كراهية اليوم، قد يحصدونه يومًا على شكل عقوق، أو اغتراب نفسي، أو فشل اجتماعي.
المجتمع لا ينهار دفعة واحدة، بل عبر مئات القصص الصغيرة:
زوجان لم يتحدثا منذ شهور إلا عبر "الواتساب"،
أب يرى أبناءه كل عيد،
أم تربي أبناءها على كره والدهم... باسم العدالة!
أبناء يتحولون إلى "ضحايا مع وقف التنفيذ".
الأسرة ليست فقط وجود رجل وامرأة تحت سقف واحد، بل هي فن بناء إنسان.
والأسرة المنظمة تُخرّج إنسانًا سويًا،
والأسرة المفككة تُخرّج مواطنًا معطوبًا...
يتعلم ألا يُكمل شيئًا للنهاية: لا علاقة، لا مشروع، ولا حتى نشرة الأخبار!
يقول الله تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]
السكن، والمودة، والرحمة...
لا الشك، ولا العناد، ولا تسجيل المكالمات!
وقال رسول الله ﷺ:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"
فمن منا يسأل نفسه اليوم: هل أنا راعٍ فعلاً؟
هل أسمع لأبنائي؟ هل أُشركهم؟ هل يروني قدوة؟
أم أنا مجرد ممول شهري ومصدر أصوات عالية في البيت؟
ولأن البناء يبدأ من الطوبة الأولى، فإن أول إصلاح للمجتمع يبدأ من صلح بين أب وأم، أو احتواء لطفل، أو حوار داخل بيت.
سلوكياتنا داخل الأسرة هي أول وطن نبنيه،
فإن لم نُحسن بناء البيت الصغير، فلا تلوموا الوطن الكبير إن مال.
بقلم: مصطفى كامل إسماعيل
#سلوكيات_وأوطان
#مصطفى_كامل_إسماعيل
#التفكك_الأسري
#بناء_البيت
#الأسرة_أمانة
#نبدأ_من_البيت
تعليقات
إرسال تعليق